يا لها من عظة! فرسول الأمم العظيم الذي له موهبة الشفاء، وقد مارسها في شفاء الكثيرين، يترك صديقه ورفيقه مريضًا. فنراه في مَلِيطَةَ يشفي أَبَا بُوبْلِيُوس مُقَدَّم الْجَزِيرَة ( أع 28: 8 )، أما هنا فنراه مضطرًا أن يترك تُرُوفِيمُس مريضًا لأن ذلك كان لازمًا له؛ فالله يرى في سياسته الحكيمة أنه من اللازم في بعض الأحيان أن يطرح أولاده على فراش المرض. الآب يرى أنه يلزم في بعض الأحيان أن يمد يده بالتأديب النافع لأولاده، وكثيرًا ما يكون من المفيد والضروري لهم جدًا أن يُتركوا في حالة تُرُوفِيمُس في مِيلِيتُس. ومع أن الطبيعة لا تميل إلى ذلك، لكنه بلا ريب تدريب نافع جدًا. فتُرُوفِيمُسُ كان لا بد أن يتعلم درسًا على فراش المرض في مِيلِيتُسَ، ما كان يمكنه أن يتعلمه في أي مكان آخر حتى في مرافقته لبولس الرسول في السفر، لأنه كثيرًا ما تكون وحدة فراش المرض وضعف الجسد نافعة جدًا للنفس، إذ ينتهز روح الله هذه الفرصة ليعلمها دروسًا من أهم الدروس التقديسية، وكثيرًا ما يكون وقت المرض فرصة لمراجعة أمور كثيرة، والحكم على ذواتنا فيها في حضرة الله.
إننا نجد اسم تُرُوفِيمُس في فصول ثلاثة؛ فنجده أولاً واحدًا من رفقاء بولس في السفر إلى آسيا ( أع 20: 4 )، مُحتملاً مشقات الأسفار، تاعبًا في الخدمة. ونجده ثانيًا في صُحبة الرسول في مدينة أورشليم ( أع 21: 29 )، مُجابهًا معه أخطار أحقاد اليهود. لكننا نجده أخيرًا مطروحًا على فراش المرض في مِيلِيتُسَ ( 2تي 4: 20 ). فلم يمكنه إذ ذاك أن يسافر إلى آسيا، ولا أن يسير في شوارع أورشليم مع الرسول المحبوب، لأنه كان مريضًا في مِيلِيتُسَ، وكان الرسول أسيرًا في رومية. ولكن كلاهما كانا يستطيعان أن ينظرا بعين مُستنيرة إلى الوطن السماوي المُنير، الذي إليه كانا مُسرعين، وفيه أصبحا الآن مستوطنين، وسيبقيان فيه إلى الأبد.