إن كان للخزَّاف سلطان على الطين أن يصنع ما يشاء، فبالأولى الله الخالق العظيم، لأن الإنسان ما هو إلا إناء خزفي ( 2كو 4: 7 ). ولكن كان للخزاف سلطان أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وأخر للهوان، وليس من حق الْجِبْلَة أن تعترض، وتقول لِجَابِلِهَا:«لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هكَذَا؟». لكن الله لم يستعمل هذا السلطان، ويصنع مثل الخزَّاف إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ، بل الله صنع الإنسان مُستقيمًا ( جا 7: 9 ). وآنية الغضب هي التي هيأت نفسها للهلاك، ومع ذلك احتملها الله بأناة كثيرة، وأعطاها الفرصة تلو الفرصة للتوبة.
أما آنية الرحمة فقد سبق الله وأعدها للمجد، أي أنه لا فضل لها، لأن الله هو الذي أعدها سابقًا في مقاصده الأزلية. فبمقتضى سلطانه يَرْحَمُ مَنْ يَرْحَمُ، ويَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ يَتَرَاءَفُ. وفي آنية الرحمة بيَّن الله غنى مجده، كما أنه في آنية الغضب بيَّن قوته. ولا فضل للأولى «لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ» ( 1كو 1: 29 ). ولا عذر للثانية لأنه احتملها بأناة كثيرة، وهيأ لها كل الفرص. ونلاحظ أنه لا يقول “آنية كرامة” ولكن “آنية رحمة”، لأن الكرامة أتت إليها من الله.
وبالرجوع إلى نبوة إِرْمِيَا نجد القول: «تَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْقَلْعِ وَالْهَدْمِ وَالإِهْلاَكِ، فَتَرْجعُ تِلْكَ الأُمَّةُ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا عَنْ شَرِّهَا، فَأَنْدَمُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي قَصَدْتُ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهَا» ( إر 18: 7 ، 8). وهذا ما حدث مع نينوى التي تابت بمناداة يونان، فتأجل القضاء الذي كان مُزمعًا أن يقع عليها. ولكننا نجد أيضًا القول: «وَتَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، فَتَفْعَلُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيَّ، فَلاَ تَسْمَعُ لِصَوْتِي، فَأَنْدَمُ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي قُلْتُ إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْهَا بِهِ» ( إر 18: 9 ، 10)، وهذا ما حدث مع مملكة يهوذا.