في وقته وُلِدَ الابن الذي بُشِّر به زكريا. وفي وقت ختانه (ع59)، انفتح فم زكريا، بعد أن كتب على لوح: «اسْمُهُ يُوحَنَّا» كما سُميَ في البشارة (ع13)، مُبيِّنًا أنه قد قَبِل بالتمام كلمات الملاك، وبذلك حُسِمَت مسألة الولد. لقد آمن أخيرًا، مع أنه كان إيمانًا مبني على العيان (الرؤية بالعين)، وهو نموذج لليهودي الحقيقي، وبالتالي، «انْفَتَحَ فَمُهُ وَلِسَانُهُ وَتَكَلَّمَ وَبَارَكَ الله» (ع64)، «وَامْتَلأَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَتَنَبَّأَ» (ع67).
وما يلفت الانتباه في هذه النبوءة هو أن، بالرغم من أن المحرِّك لها هو ميلاد ابنه “يوحنا”، فإن طفله كان في موقع ثانوي في فكره. أما الشاغل الأعظم لِما نطق به زكريا، فهو مسيح الله الذي لم يولَد بعد (ع68-79). لقد وضع زكريا الأمور في نصابها الصحيح. وهذا كان ثمرة امتلائه بالروح القدس، الذي يُمجد المسيح دائمًا. ولو تكلَّم فقط بدافع الحماس الذي تولَّد بميلاد الابن غير المتوقع، لكان قد تكلم أساسًا أو كُليًا عنه، وعن الوظيفة النبوية التي دُعيَ إليها.
وتكلم زكريا عن مجيء المسيح، كما لو كان قد حدث فعلاً، وتهلل بنتائج مجيئه، كأنها قد تمت فعلاً. وهذا ملمَح شائع في النبوة، فهي تتكلم عن أشياء كأنها تمت، بينما هي في حساب التاريخ ما زالت في المستقبل. ففي لحظة التنبؤ، يُحْمَل النبي بالروح خارج حدود الزمن. وفي الظهور المجيد للمسيح، رأى زكريا الرب إله إسرائيل، يفتقد شعبه لكي يفتديهم (ع77، 78). والخلاص الذي سيأتي به، سيخلِّصهم من جميع أعدائهم، أن يعبدوه بحرية، وبالقداسة والبر، طوال أيام حياتهم. وكل هذا، تحقيقًا لوعده وقَسَمه لإبراهيم. ولاحظ كيف ألهمه الروح القدس، أن يُشير إلى الوعد غير المشروط لإبراهيم (ع72، 73). كما فعلت مريم (ع55). وبركة إسرائيل ستكون على هذا الأساس، وليس على أساس عهد الناموس.