لم يستطع تحريض أبيشاي بقتل شاول أن يؤثر في داود. لقد خُيِّل إلى أبيشاي أنه أمر طبيعي وشرعي قتل شاول الذي كان يحاول بكل قوته أن يقتل داود. وقد وضع أبيشاي رفيق داود شَرَكًا له، ليعفيه من أن يفعل هو ذلك بنفسه. وهذه واحدة من العوائق الأساسية الـتي يضعها الشيطان في طريق المؤمنين. فلو أمكنه أن يخدعنا، ويجعلنا نُتمِّم رغباتنا، وننتقم لأنفسنا، ونطالب بحقوقنا في هذا العالم، فهو بذلك يجعلنا نفشل في الإيمان. لأننا في ذات الوقت نُصبح مثل العالم المُستقل عن الله، ونطرح ثقتنا في الله وحده، كأنه لم يستطع أن يُخلِّص، فنحن علينا أن نُخلِّص أنفسنا.
ولكن داود الذي كان لا يزال ينتظر المواقيت الإلهية، فقال لأبيشاي: «لاَ تُهْلِكْهُ، فَمَنِ الَّذِي يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى مَسِيحِ الرَّبِّ وَيَتَبَرَّأُ؟» (ع9). كانت له ثقة شديدة أن الله سيتدخَّل بنفسه كما حدث مع نابال، لكنه لم يكن يعرف مـتى وكيف سيتدخَّل؟
أما الآن، وقد حفظ صفحته بيضاء، تاركًا الأمر بيد الرب، فقد كان في مقـدوره أن يُرنم مزمور 37 قائلاً: «سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَاتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي، وَيُخْرِجُ مِثْلَ النُّورِ بِرَّكَ، وَحَقَّكَ مِثْلَ الظَّهِيرَةِ. انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ لَهُ... بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ يَكُونُ الشِّرِّيرُ ... سَوَاعِدَ الأَشْرَارِ تَنْكَسِرُ، وَعَاضِدُ الصِّدِّيقِينَ الرَّبُّ». ولا شك أن وجود داود المستمر في محضر الله قد أجرى فيه تغيـيرًا أدبيًا ملحوظًا. فلقد تَعمَّق فيه الشعور بمسكنته، وأيضًا بعظمة الله ومُطلق سلطانه، لهذا تعلَّم أن يتَّكل عليه. والتصرف الصحيح - عندما نكون في محضر الله - هو الثقة في سلطان الله، وأن الزمام لن يُفلت من يده، فنُسلِّم ونستريح، ونخضع ونصبر للحُكم الصحيح.