كون المسيح أعطى رُسُله السلطان على الأرواح النجسة، لهو أعظم بكثير من مجرد ممارسته تلك القوة شخصيًا. في العهد القديم كان لبعض الأنبياء قدرة على عمل المعجزات، لكن لم يكن بوسع أحد منهم إعطاء هذا السلطان لغيره أثناء وجوده. وحتى بالنسبة لإبليا، وانتقال قوته إلى أليشع، كان تحت شرط رحيل إيليا ( 2مل 2: 9 ، 10). وكون المسيح مارس إخراج الشياطين قد نُفسره بأنه فعل ذلك لأنه عبد يهوه الكامل، ولكن إعطائه ذلك السلطان لتلاميذه لا يُمكن أن يُفسَّر إلا بأنه هو يهوه، الرب. والسلطان يعني القوة ولكنه لا يقف عندها؛ فالملائكة يمتلكون القدرة لكن ليس لهم سلطان، إذ إنهم مُقيَّدون في حركاتهم بالأوامر التي تصدر إليهم. والرب له السلطان لطرد الأرواح الشريرة من البشر، وعنده أيضًا السلطان على كل جسد. واليوم هو يستخدم هذا السلطان لإعطاء الحياة الأبدية لكل مَن أُعطي له من الآب ( يو 17: 1 ، 2). وفي المستقبل سيستخدم هذا السلطان نفسه للقضاء على الذين رفضوه في زمان نعمته.
ومسألة السلطان على الأرواح النجسة لها مدلولها الهام. فإن وصول الملك إلى الأرض ليؤسس ملكوت الله أهاج الشيطان. لقد كانت الساحة فيما سبق خالية له. أما الآن فبظهور المسيح، فقد حضر فيه مُلك الله، وصارت هناك مملكة ضد مملكة: مملكة الظلمة، مُمثَّلة في الشيطان والأرواح النجسة؛ ضد مملكة الله المُمثَّلة في المسيح ورُسُله. ومرة قال المسيح لليهود: «إِنْ كُنْتُ بِأَصْبعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ» ( لو 11: 20 ). فالسلطان على إخراج الشياطين كان دليلاً على أن ملكوت الله أقبل على اليهود، وأن يسوع هو الملك الذي سيُخلصهم من مُلك الشيطان، وسيادته عليهم، وإذلاله لهم، بشرط توبتهم.