عندما وصل الرب يسوع إلى كُورَةِ الْجِرْجَسِيِّينَ، التقى رَّجُلَيْن مَجْنُونيْن مَسْكُونيْن بالأرواح الشريرة، يعيشان في القبور، وكان هياجهما شديدًا جدًا، حتى إنهما جعلا السفر إلى تلك المنطقة أمرًا غير مأمون. ولما اقترب الرب يسوع صرخا قائلين: «مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ الْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟». فقد عرفا مَن هو يسوع، وأنه سيُهلكهم في النهاية. وإذا شعروا أن المسيح سيُخرجهم من الرَّجُلَيْن، طلبوا أن يُرسَلوا إلى قطيع من الخنازير كان يرعى قريبًا من المكان.
والغريب في الأمر أن الرب يسوع منحهم طلبتهم. لكن كيف ينزل الرب القدير عند رغبة الشياطين؟! يجب أن نتذكّر حقيقتين رئيسيّتين حتى نتمكن من فهم عمل الرب هذا: أولاً: أن الشياطين يتجنّبون حالة التحرّر من الأجساد، فهم يريدون أن يسكنوا في الناس، أو إذا تعذَّر ذلك، يسكنون في الحيوانات أو أيّ من المخلوقات الأخرى. ثانيًا: غرض الشياطين هو التخريب بلا استثناء، فلو أن الرب أخرجهم من المسكونين فقط، لشكّلوا خطرًا على الناس الذين في المنطقة. لكن الرب بسماحه لهم أن يدخلوا في الخنازير، منع دخولهم في الرجال والنساء، قاصرًا قوتهم التخريبيّة على الحيوانات فقط، فإن الوقت للقضاء عليهم نهائيًا مِن قِبَل الرب، لم يكن قد أتى بعد. وحالما انتقلوا إلى الخنازير «إِذَا قَطِيعُ الْخَنَازِيرِ كُلُّهُ قَدِ انْدَفَعَ مِنْ عَلَى الْجُرُفِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمَاتَ فِي الْمِيَاهِ».
إن هذه الحادثة تُظهِر أن الهدف للشياطين هو التخريب، وتُبيّن كذلك أنه يُمكن لرَّجُلَيْن أن يسكنهما عدد من الشياطين يكفي لإهلاك ألفي رأس من الخنازير ( مر 5: 13 ). ويا لها من حقيقة مُرعبة!