كان المسيح هو القدوس الذي بلا شر ولا دنس، فكيف يصبح بعد قليل خطية لأجلنا، ويقف كممثل للخطاة ويحمل إثم جميعنا! هذه هي الكأس الرهيبة التي، نظرًا لقداسة ناسوته، كان ينفر منها أشد النفور، وكان له كل الحق في أن ينفر منها. لكن كان هناك عنصر آخر ظهر في المشهد عينه، أعني به طاعته لأبيه. ولاحظ أنه لا يتحدث عن عبور الكأس عنه، بل عن استحالة حدوث ذلك: «إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». فهو بعد أن عبَّر عن نفوره من تلك الكأس نظرًا لكمال قداسته، فإنه في كمال طاعته للآب، كما قال في المرة الأولى: «لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ» ( لو 22: 42 )، ها هو يقول الآن: «إِنْ لَمْ يُمْكِنْ ... فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». ولقد عقد أحد الشراح الأفاضل مقارنة بين ما كان يعمله رئيس الكهنة في يوم الكفارة العظيم، وما عمله المسيح هنا. فرئيس الكهنة كان يدخل إلى قدس الأقداس أولاً بالبخور بدون الدم، ثم بعد ذلك بالدم ( لا 16: 12 -16). فقال إن صلاة المسيح لأبيه في بستان جثسيماني يمثل دخول رئيس الكهنة للأقداس بالبخور، فالبخور يحدثنا عن كمالات المسيح الأدبية. وهو ما نراه في بستان جثسيماني بصورة منقطعة النظير، أعني بها قداسته المطلقة وطاعته الكاملة. ثم إنه في الجلجثة ولا سيما ساعات الظلام دخل إلى الأقداس بدم نفسه.
ويصف البشير لوقا هذه الصلاة، وجهاد الرب يسوع فيها، فيقول إنه كان في جهاد، وأنه كان يصلي بأشد لجاجة، وكان عرقه يتساقط كقطرات دم على الأرض ( لو 22: 44 )!