من عنوان مزمور 63 نُدرك أن كاتبه هو داود وأنه كتبه في “بَرِّيَّةِ يَهُوذَا” حيث كان مطاردًا، ربما من ابنه أبشالوم. ومما يدعو إلى العجب والاندهاش أن نصيب يهوذا الوارد ذكره في يشوع 15 والذي نرى اتساعه، كما نرى أيضًا كثرة المدن التي تتبعه وغناها، توجد فيه برية، تُوصف بأنها «أَرْضٍ نَاشِفَةٍ وَيَابِسَةٍ بِلاَ مَاءٍ» (ع1). ولكن في وسط هذه البرية تشبع نفس المؤمن وتلتصق بالرب. في وسط برية يهوذا (معناه: الحمد)، يوجد ابتهاج وتسبيح (ع5)، وتوجد الحماية تحت ظل جناحيه (ع7).
هذا المزمور الذي هو واحد من “ترانيم البرية” هو نظير رسالة الرسول بولس إلى المؤمنين في فيلبي؛ رسالة البرية التي لا ينقطع فيها فرح المؤمن الذي شعاره: «أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ» ( في 3: 13 ).
يبدأ المزمور بداود متحدثًا إلى الله مباشرة. وداود في مخاطبته لله، يتخذ الله إلهًا شخصيًا له، فلا يقول “إله آبائي” ولكن ”إِلَهِي”، تمامًا كما في مزمور 23 عندما يتغنى ويقول: «اَلرَّبُّ رَاعِيَّ». داود يُخصص الله لذاته مثل دانيآل الذي قال للملك داريوس: «إِلَهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي» ( دا 6: 22 ). ولم يكتف داود بأن يسجل أن الله إلهه، بل أكد هذا الارتباط بكلمة «أَنْتَ»، وهكذا نرى أن قوله: «يَا اللهُ، إِلَهِي أَنْتَ»؛ إقرار واعتراف أنه ليس له إله آخر عنده.
«إِلَيْكَ أُبَكِّرُ» ... ما أعظم بركات التبكير إلى الرب. وهذا يذكرنا بالمن (رمز للمسيح) الذي كل مَن يطلبه لا بد أن يُبكِّر ليجمعه، قبل أن يذوب عندما تشرق الشمس. وما أعظم البركات التي نالها إبراهيم عندما “بَكَّرَ” لتنفيذ أمر الرب. كما أن أعظم البركات هي بركة التبكير في العمر للارتباط بشخصه الكريم المبارك بالإيمان والعيشة له، كقوله له المجد: «الَّذِينَ يُبَكِّرُونَ إِلَيَّ يَجِدُونَنِي» ( أم 8: 17 ).