استطاع الإنسان أن يصنع طُرقًا مُعبَّدة ومُمهَّدة، تعبر البراري المقفرة، كما تشق الغابات المُشجرة. ومهَّد الناس طرقًا فوق الجبال والمرتفعات، كما في السهول والمنحدرات. وعمل الناس شبكات من الطرق عبر أنفاق تحت الأرض، بل وتحت البحار والأنهار! لكن هل من طريق في البحر، وسُبل في المياه العميقة، بكثافة ظلامها وعجيج أمواجها؟ يقول المرنم: إن للرب طريقًا في البحر، وسُبُلاً في المياه الكثيرة! فعندما نجتاز في ظروف صعبة وشائكة، بمُلابساتها المُربكة وأجوائها الحالكة، عندما تشتد الأزمات ويكون من الصعب أن نستوعب متى بدأت وكيف تعقدت، فانعدمت الحلول، هل يستطيع الرب أن يجد مخرجًا وبابًا للنجاة؟!
حُرِم يوسف من أبيه، وغدر به إخوته، ثم بيع عبدًا، وظُلم من امرأة فوطيفار فأُلقي في السجن، ثم نسيه رئيس السقاة. توالت الأزمات، وبمرور الأيام تعقدت وزادت إظلامًا، لكن بينما كانت النكبات تتوالى، كان المُخطط الإلهي يُنَفَّذ بمنتهى الإتقان، لأن الله له طريق في حياة يوسف، وله سُبُله في تلك الظروف الطاحنة. إن كنا نعيش في أيام ضبابية، والناس يتلَمَّسون الطريق وسط مخاوف من كل نوع، لكننا لا ننزعج لأن راعينا هو صاحب السلطان الذي يصنع الأحداث. هو الذي يُرسل الريح الشديدة، ليُحدث نوءًا عظيمًا، وهو الذي تهدأ بأمره الرياح، وتسكن البحور الهائجة. لا يهم إن كان الأفق مُحاطًا بالضباب، فله في الغمام مسلك، وفي العاصف طريق، وسُبُل في المياه الكثيرة، ويده الرحيمة تجتاز بنا في مضايق الزمان. له النهار وله أيضًا الليل، فالضيق ليس سوى وسيلة يُحقق بها مشيئته الصالحة. والذي يُطمئْن القلب أن الرب يسير معنا بنفسه في دروب البرية الموحشة، إلى أن يوصلنا ديار المجد عن قريب.