لم يظهر ملاك الله لبولس إلا بعد صوم كثير (جوع)، وتبدُد الأمل. وكان قد انقضى أسبوعان تقريبًا منذ أن بدأت العاصفة، وحتى تلك اللحظة، لم يكن لبولس أن يقول أي شيء. ولكن الآن جاءته كلمة الله «لاَ تَخَفْ يَا بُولُسُ ... هُوَذَا قَدْ وَهَبَكَ اللهُ جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ» (ع24). فحيث إن الله هو الذي تكلَّم، استطاع بولس أن يتكلَّم بكل سلطان ويقين. وبعد أربعة عشر يومًا، يتقاذفهم فيها البحر الهائج، لا بد أنه سيطرت عليهم جميعًا مشاعر اليأس والاكتئاب. ولكن ها الله قد تكلَّم، وكان موقف بولس «إنِّي أُومِنُ بِالله»، بكلمات أخرى “إني أصدِّق إلهي”، مهما كانت الأحوال.
كانت كل احتمالات الموقف عكس ما قاله الملاك. فكون سفينة بها 276 شخصًا، تتحطَّم وتُدمَّر، في زمن لم يكن فيه قوارب نجاة مجهَّزة يمكن أن تنقذهم، وأن ينجو كل ركابها؛ كان أمرًا بعيد الاحتمال، بل يصل إلى حد الاستحالة. ولكن الله قد تكلَّم، فهزأ بولس من الاستحالة وقال: «لأَنِّي أُومِنُ بِاللهِ أَنَّهُ يَكُونُ هكَذَا كَمَا قِيلَ لِي» (ع25). كما أن إيمانه كان قويًا، حتى إنه لم يُردِّد هذا الكلام في قلبه، بل قاله بصوت عالٍ، كشهادة للمئتين خمسة وسبعين مسافرًا الذين معه.
والتعريف البسيط للإيمان هو: “تصديق ما يقوله الله، لأن الله هو الذي قاله”. ولو أن بولس نطق بكلمات الإيمان، وبقيَ مكتئبًا ومُحبَطًا، لَمَا انتبه أحد إلى كلماته. إنما، بعد أن أعلن البشرى المُفرحة، كان هو نفسه مُستبشرًا، «وَلَمَّا قَالَ هذَا أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ اللهَ أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَكَسَّرَ، وَابْتَدَأَ يَأْكُلُ» (ع35). وبذلك، شهدت أعماله لإيمانه. وكان لهذا تأثير كبير على الجميع «فَصَارَ الْجَمِيعُ مَسْرُورِينَ وَأَخَذُوا هُمْ أَيْضًا طَعَامًا» (ع36). لم يكن قد حدث أي تغيير في الظروف حتى ذلك الوقت، ولكن التغيير حدث، لأن ثقة الإيمان استقرَّت في قلوبهم.