العدد الأول من إنجيل يوحنا يُقدِّم لنا الابن كالكلمة الأزلي، وهو الله. ويُخبرنا أنه في البدء، في الماضي السحيق في القِدَم، أقصى ما يمكن أن يصل إليه الفكر، كان الكلمة دائمًا ( مز 90: 2 ). الخالق، والمصدر الوحيد للحياة والنور، لم يتكلَّم إلينا من علياء سمائه، لكنه أتى إلينا إلى العالم (ع9) بإرادته، وحصر نفسه بالحدود البشرية للمكان والزمان. فالكلمة صار جسدًا (ع14). لم يأتِ كرسول ليُسلِّم رسالة ثم يرجع سريعًا لمن أرسله، لكنه كان هو نفسه الرسالة، لذلك كان ينبغي أن يتم القول «حَلَّ بَيْنَنَا»، على أنه لم يكف إطلاقًا أن يكون في حضن الآب (ع18). كان هو كل ما هو الله في طبيعته: “محبة” و“نور”؛ أو بكلمات أخرى كان هو النعمة للقلب، والحق لضمير الخاطي. لكن ظلمة الإنسان الأدبية لم تُدْرِك “النُّور الْحَقِيقِيّ” (ع5).
ولعلَّ أعمق ما في هذا الإنجيل ديباجته ( يو 1: 1 -18). وكأن الروح القدس جمع الموضوع كله أو لخَّصه وأوجزه في هذه الأعداد القليلة، وكأن ما ورد بعد ذلك في الإنجيل هو شرح وتوضيح للحقائق السامية والعجيبة الواردة في هذه المقدمة. إنها فعلاً قشدة اللبن الطافية على السطح، فهي تقدم لنا سبع حقائق جوهرية:
(1) من جهة علاقة المسيح بالزمان، هو أزلي «فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ». (2) من جهة شخصيته المُتَمَيِّزة، هو أقنوم إلهي «الْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ». (3) من جهة لاهوته، هو الله «وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ». (4) من جهة علاقته مع أقانيم اللاهوت «هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ». (5) من جهة علاقته بالخليقة: هو الخالق «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ». (6) من جهة علاقته بالإنسان: «فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ». (7) من جهة تجسده: «وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا».