علَّم الرب يسوع تلاميذه تعليمًا نافعًا قد تعترض عليه الطبيعة قائلة: ما حاجة المسيح إلى استعمال الخمسة الأرغفة والسمكتين؟ لأن مَن يستطيع أن يُشبِع جمعًا كهذا بهذه الوسائل الضعيفة، لا شك يستطيع أن يُشبعه بدونها. هذه هي احتجاجات الطبيعة، أما المسيح فيُعلّمنا أن لا نحتقر خلائق الله، بل نستعمل ما عندنا من الوسائط بركة الرب. يا له من درس أدبي! فالرب يسأل: «مَاذَا لَكِ فِي الْبَيْتِ؟» ( 2مل 4: 2 )، وهذا وليس سواه هو ما يستعمله. والمهم أن نستخدم ما عندنا بركة الرب لسد الحاجة التي تكون أمامنا. وهكذا أيضًا في أمر جمع الكِسَر، فالعقل البشري الغبي يقول: ما الحاجة إلى جمع الكِسَر المنثورة؟ لأن مَن يصنع آية عظيمة كهذه، لا يحتاج إلى تلك الكِسَر البسيطة، هذا صحيح، ولكن المسيح يُعلّمنا أن لا نضيع بركات الله عبثًا. فإن كان باستخدام الخبز والسمك يُعلّمنا أن لا نحتقر خلائق الله ، فهو بجمع الكِسَر يُعلّمنا أن لا نُضيعها عبثًا. ومع أنه يسمح للجموع أن يأكلوا ويشبعوا، ولكنه لا يريد أن يُترَك شيء من الكِسَر. يا له من كمال إلهي ليس له مثيل بين الناس.
نحن أحيانًا نُظهِر الإمساك والشح، وأحيانًا نُظهِر الإسراف والتبذير. ولكن المسيح لم يكن هكذا. كان كريمًا بغير تبذير، ومُقتصدًا بغير شح، فهو الإنسان السماوي الكامل. فهو يقول: «أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا» ( مر 6: 37 )، ولكن «اجْمَعُوا الْكِسَرَ الْفَاضِلَةَ لِكَيْ لاَ يَضِيعَ شَيْءٌ» ( يو 6: 12 ). يا لها من نعمة كاملة وحكمة كاملة! ليتنا نتأمل فيهما، ونتعلَّم منهما، ونبتهج لأن الشخص المُبارك الذي أظهرهما، هو حياتنا؛ المسيح حياتنا. والمسيحية العملية هي إظهار هذه الحياة. فهي ليست العيشة بمقتضى قوانين ونظامات مخصوصة، بل هي سكنى المسيح في القلب بالإيمان؛ المسيح ينبوع العطف الكامل والنعمة الكاملة.