ليس ما يُذهل بين أسماء الله أكثر من هذا الاسم «إِلَهُ يَعْقُوبَ»، إذ لم يجتمع اسمان غير متكافئين كهذين الاسمين. لكنهما يدلان بشكل صارخ على ثبات محبة الله وسعيها الدائب. فأن يكون الله إله إبراهيم أبي المؤمنين فأمر مفهوم. وأن يكون إله موسى، النبي الذي تكلَّم مع الله وجهًا لوجه، كما يُكلِّم الإنسان صاحبه، فأمرٌ مفهوم أيضًا. وكذلك أن يكون الله إله دانِيآل المحبوب. أما أن يكون الله «إِلَهُ يَعْقُوبَ»، الملتوي الطمّاع المخادع الغشَّاش، فلا، وألف لا. ولكن الله يربط اسمه باسم يعقوب، وهو القائل: «أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ» ( ملا 1: 3 )، «مَلْجَأُنَا إِلَهُ يَعْقُوبَ» ( مز 46: 7 )!
يا لاختيار الله العجيب! إن الأمر الذي يدعو للغرابة هو اختيار الله ليعقوب ليكون أبًا لشعب يُعلن له الرب مقاصده الصالحة ونعمته الغنية، بل لقد اختاره لتتبارك في نسله جميع أمم الأرض. هل يستحق يعقوب المخاتل هذا الامتياز؟ لقد «اخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ» ( 1كو 1: 27 -29).
ويا لمحبة الله المُتعقِّبة! إن اسم “يعقوب” معناه “متعقّب” أو “مُغتصِب”؛ إنها قصة حياة يعقوب مُلَخَّصة في كلمة واحدة. لقد تعقَّب يعقوب أخاه عيسو مرتين: في المرة الأولى أخذ بكوريته، وفي المرة الثانية أخذ بركته ( تك 27: 36 ). لكن الله - في محبته - تعّقبه بصبر وطول أناة، حتى أدخله في شراك محبته عند “مَخَاضَةَ يَبُّوقَ” بعد صراع عنيف معه. واستسلم يعقوب أخيرًا لله المُحبّ. فلو لم يواصل الله ملاحقته ليعقوب، لما كان بإمكان الأخير أن يُصبح أميرًا مع الله، ولظلّ إنسانًا محتالاً لا يُحبّه أحد. ما أعظم قوة الله! وما أعجب محبته! وما أروع صبره وطول أناته!