اختيار راعوث في نظر الإنسان العالمي هو حماقة شديدة. فأن تترك راحة موآب ومسرَّات بيتها وأهلها وأرض ميلادها، لتتخذ رحلة برية لا تعلم عنها شيئًا، إلى أرض لم ترها من قبل، لتُرافق أرملة فقيرة مكسورة الخاطر، لتعيش وسط شعب لا تعرفه. فبالمنطق والعيان يبدو أن هذا جنون وقمة الغباء.
وموسى في يومه، مع كل امتياز الطبيعة الممنوح له، ومع كل مجد هذا العالم الذي كان أمامه، أصبح مثالاً لامعًا للإيمان. فقد أدار ظهره لمسرات الخطية وكنوز مصر، حاسبًا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر. إنه ترك العالم وكل أمجاده ليجد نفسه في مشهد البرية، رفيقًا لشعب فقير ومتألم. وفي نظر العالم فإنه غباء مطلق! ولكنه في يومه يقول الإيمان بحق «لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ» ( 1يو 3: 2 ). ويجب على الإيمان أن ينتظر ستة عشر قرنًا قبل أن يُظهَر ماذا سيكون. وقد سُمح لنا أن نرى ظهور موسى في المجد على جبل التجلي في شركة مع ابن الإنسان. ومنظر المجد هذا سوف لا يخفت. وفي النهاية يدخل موسى إلى أمجاد ملكوته الآتي في شركة مع ملك الملوك، لكي يُظهَر أن أمجاد هذا العالم التي رفضها، إنما كانت صغيرة بالفعل إذا قُورنت بثقل المجد الذي اكتسبه.
كذلك في يومنا هذا فإن طريق الإيمان يبدو في نظر العالم قمة الغباء. أن ترفض مجد العالم وتوّحد نفسك مع شعب الله الفقير والمحتقر، وأن تخرج خارج المحلة حاملاً عاره، فهذا يُعتبر للمنطق الإنساني والنظرة الطبيعية أنه جهالة. ولكن الإيمان يُجيب «لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ». وسيكون للإيمان مكافأته المجيدة، وعندما ينفجر نهار المجد، ويتغير الإيمان إلى العيان.