كان زَكَّا عشارًا، أو جامع ضرائب، بل كان “رَئِيسًا لِلْعَشَّارِين” أيضًا. ويبدو أنه كوّن ثروة من وظيفته، لأنه كان غنيًا. لم يكن جابي الضرائب يُعتبَر إنسانًا أمينًا، وهكذا لم يكنّ له الناس احترامًا كبيرًا؛ وتلميح زَكَّا بأنه وشى بالناس، يبرهن على أنه لم يكن بريئًا من هذه الناحية. إلا أنه سمع عن الرب يسوع، ومعجزاته القديرة، وأعماله وأقواله العجيبة، وكان مشتاقًا جدًا لأن يراه. لكن الجمع كان كثيرًا حول الرب، مما أعاق رؤيته للرب يسوع، إلا إذا جرى في المقدمة، وتجاوز الجموع، وصعد إلى مكان مرتفع. وعلى الرغم من كونه غنيًا، كان هدفه محددًا جدًا، حتى إنه لم يسمح لأي شيء أن يُعيقه عن رؤية الرب يسوع؛ فجرى في المقدمة، وصعد إلى جميزة، في الاتجاه الذي كان يعلم أن الرب سوف يمر به. ربما كان ما يعتمل في قلبه أكثر من مجرد فضول، لأنه لم يسمح لازدحام الجمع، ولا لأي شيء آخر أن يُعيق تتميم رغبته. ثم نرى أيضًا أنه تمكن من طاعة الرب على الفور عندما دعاه. لكن كيفما كان الأمر، فالواضح أن الرب يسوع كان هو الغرض العظيم لاجتذابه؛ «طَلَبَ أَنْ يَرَى يَسُوعَ مَنْ هُوَ». ولا شيء غير المسيح يُمكن أن يُشبعه، فذهب حيث كان الرب سيمر. لكنه قلما تفكر، وهو مشغول بطلب الرب، أن الرب كان يطلبه «لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» ( لو 19: 10 ). كثيرون من الباحثين يقولون: “أنا أحاول أن أجد المُخلِّص”، لكن الحقيقة هي أن من جاء ليطلب ويُخلِّص ما قد هلك، هو من يطلبهم. لم يكن ممكنًا أن يشتاقوا إلى المسيح، ولا أن يتوقوا إلى خلاصه، ولا يحنّوا شوقًا إليه، ما لم يبدأ هو بعمل النعمة في نفوسهم. عندما كانت النسوة يطلبن الرب بعد قيامته «أَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لِلْمَرْأَتَيْنِ: لاَ تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ».