إن ربنا يسوع المسيح هو الملك الحقيقي «مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ»، وفي أي وقت نقترب إليه ونلتف حوله كخاصته المحبوبة لقلبه، نجده متكئًا على مائدته مُهيئًا طعامًا دسمًا «أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ» ( مز 16: 11 ). ومع أننا نسير في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء، وفي قفر موحش “الْعَالَم الْمَوْضُوع فِي الشِّرِّيرِ”، فإنه فيه “يُرَتِّبُ قُدَّامِنا مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايِقِينا”، ولسان حاله في كل حين «هَلُمُّوا تَغَدَّوْا!» ( يو 21: 12 )، فنأكل ونشبع ونرتوي «كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي، وَبِشَفَتَيْ الابْتِهَاجِ يُسَبِّحُكَ فَمِي» ( مز 63: 5 ). نعم إننا إذ تتغذى نفوسنا به، في حضرته، تفيض قلوبنا بأغاني الحمد والتسبيح، وتنسكب عواطفنا سجودًا وتعبدًا له، فتنتعش حاسياته برائحة الناردين الخالص والكثير الثمن «أُغَنِّي لِلرَّبِّ فِي حَيَاتِي. أُرَنِّمُ لإِلهِي مَا دُمْتُ مَوْجُودًا. فَيَلَذُّ لَهُ نَشِيدِي، وَأَنَا أَفْرَحُ بِالرَّبِّ» ( مز 104: 33 ، 34).
وهل توجد مائدة أشهى وألذ من مائدة الملك العظيم؟ إن كل طعام آخر مهما كان شهيًا في نظر الناس، فهو بالمقابلة مع مائدة الملك رب المجد، كالخرنوب طعام الخنازير. فمائدة الملك لا مثيل لها، ولا سيما لأنه بنفسه جالس عليها، وبيمينه يقدم من أطايبها لخاصته المحبوبة. ولكن الشيء الوحيد الذي استحوذ على تفكير العروس وشغل ذهنها وقلبها، هو رؤيتها “المَلِك عَلَى مَائِدَتِهِ”؛ فشخصه هو الذي كان ماثلاً أمامها. والمائدة وما أُعدّ عليها، كانت لها قيمتها عندها، لأنها مائدته هو؛ ولكن ليست البركات، ولا شبع أشواق النفس والقلب، ولا الشركة الحُبية مع الجالسين على المائدة هي التي كانت موضوع مشغوليتها، وإنما الملك نفسه وليس سواه. إن البركات الروحية والشركة الحُبية حلوة وجميلة، ولكن أجمل الكل أن يأخذ هو - تبارك اسمه - مكانه الخاص في قلوبنا وأذهاننا.