إن أي طائر يغني في الصباح المُشرق، ولكن الرب يؤتي الأغاني في الليل. وفوق كل ضغوط التجارب والقلق والألم، فإن الروح القدس يرفع المؤمن فوق كل المتاعب والضيقات ويحلِّق في أجواء النعمة الغنية. وهكذا في “ليل الامتحان” وفوق “مضجع الألم” يُمكن للقديس أن يرفع صوته بأنشودة الترنم قائلاً: «مَهَّدْتَ مَضْجَعَهُ» ( مز 41: 3 ).
مطوَّب ذلك المؤمن الذي يثق في الله، والذي يرتفع فوق ظروف الألم التي يجتاز فيها، ويتهلل بالرب إلهه. وبروح حبقوق يستطيع أن يقول: «مَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي» ( حب 3: 17 ، 18).
وبالنسبة للشخص اليهودي، التين والكروم والزيتون والحقول والقطعان، كل هذا يتكلم عن الرخاء، وبدون هذه يعني أن هناك مجاعة حقيقية. ولكن كان لحبقوق ثقة في الله لها طابع مميز. أَوَ لَيسَ هذا هو الإيمان الذي ينبغي أن يكون لنا؟ إن هذا الإيمان يُسر قلب الله ويُكرمه. ويرنم داود ترنيمة مُماثلة في ليلة من ليالي حزنه قائلاً: «مَا أَعْظَمَ جُودَكَ الَّذِي ذَخَرْتَهُ لِخَائِفِيكَ، وَفَعَلْتَهُ لِلْمُتَّكِلِينَ عَلَيْكَ تُجَاهَ بَنِي الْبَشَرِ! تَسْتُرُهُمْ بِسِتْرِ وَجْهِكَ مِنْ مَكَايِدِ النَّاسِ. تُخْفِيهِمْ فِي مَظَلَّةٍ مِنْ مُخَاصَمَةِ الأَلْسُنِ» ( مز 31: 19 ، 20). وهل كان يستطيع الرسول بولس لولا مؤازرة الروح القدس له، وهو في سجن رومية، أن يقول «اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا» ( في 4: 4 )؟ إن هذه هي أغاني الليل، وربما يسمح الله بهذا الليل لكي تتدفق من قلوبنا مثل هذه الترنيمات.