هناك ثلاثة أسفار نبوية تنتهي بصيغة استفهامية، وهي بحسب ترتبها التاريخي: يونان وناحوم ومراثي إرميا. أما عن سفر يونان فالسؤال يُكلّمنا عن رحمة الله الذي يقف إلى جانبنا ( يون 4: 11 ). إنه يُرجِع ذنب نِينَوَى إلى الجهل. ألم يفعل هكذا الرب يسوع ابن الله، وهو على الصليب، إذ طلب: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» ( لو 23: 43 ). كذلك نرى الرسول بطرس، وقد امتلأ من الروح القدس، طفق يكشف لسامعيه جريمة قتل المسيا، ويُضيف «أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالَةٍ عَمِلْتُمْ، كَمَا رُؤَسَاؤُكُمْ أَيْضًا» ( أع 3: 17 ). ثم نرى الرسول بولس يتكلَّم عن نفسه قبل تغييره، أنه كان «قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا»، ويُرجع هذا للجهل، فيقول: «وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ» ( 1تي 1: 13 ، 14).
حقًا إن الله «غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ» ( أف 2: 4 ). أَليست هذه طبيعته التي تظهر في صفاته الكاملة، والتي نتغنى نحن بها؟ وهذا يُبرّر إشفاقه على نِينَوَى. إنها تُذكّرنا بكلمات الرب يسوع بعد قيامته: «أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟» ( لو 24: 26 ). وكم سنرى في الأبدية حصادًا عظيمًا من النفوس المُخلَّصة، فهل من سبب لذلك سوى انسكاب رحمته تعالى! فما أعجب رحمته!
ثم يتحدث الرب بعد ذلك عن “بَهَائِم كَثِيرَة” في نِينَوَى، وربما قُدِّمَ منها عددًا ليس بقليل كذبائح خطية، أو كمحرقات. وهذا معناه أن نِينَوَى التائبة وجدت في الله أنه رفع عنها غضبه وقصاص خطاياها. فكل ذبيحة مُقدَّمة كانت تعني أنها “رائحة سرور”، كتلك التي قدَّمها نُوح بعد خروجه من الفُلك، مع اعتبار محدودية إدراك الذين يُقدّمونها، وكأنها - أمام الله - تتوَقع اليوم الذي فيه يُقدِّم المسيح نفسه لله بلا عيب ( عب 9: 14 ).