استعان الأخوان يعقوب ويوحنا بأمهما سَالُومَة، لتقديم التماسًا نيابة عنهما. فجاءت سَالُومَةُ إلى الرب يسوع ساجدة، وطلبت منه أن يجلس ابناها، واحد عن يمينه والآخر عن يساره، في ملكوته ( مت 20: 20 ، 21؛ مر10: 35).
أما ردّ الرب على هذه الطلبة، فقد وجهه إلى يعقوب ويوحنا، لأنه كان يعلم أن ما طلبته أمهما - نيابة عنهما - إنما كان تعبيرًا عن طموحهما. وكان جواب الرب خاليًا من التوبيخ والتعنيف، وكشف لهما الجهل الكامن وراء خطأ طلبتهما. وتجاوز الرب عن الأخطاء الكبرى التي انطوى عليها الاقتراح، واقتصر على أهونها شأنًا، وهو جهلهما، فقال بلغة العطف، أكثر منه بلغة الانتهار والتوبيخ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ». وكأنما يُشفق على الأخوين اللذين يطلبان ما يجهلان، فأردف بسؤاله المُحرك للمشاعر: «أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟» ( مت 20: 22 ؛ مر10: 38). وهكذا أظهر الرب لهما أن الطريق الوحيد إلى العرش، يمر بالصليب، كما كان على وشك أن يُبين في موته القريب، ثم قيامته ومجده.
إن العظمة الحقيقية مرتبطة دائمًا بالجهد والتعب والتضحية والمشقة، وهي في لغة الرب يسوع “الْكَأْس والصِّبْغَة”، ولا يمكن لأحد أن يبلغ المجد دون أن يصطبغ بصبغة المسيح، ويُشاركه كأسه وعاره وآلامه. إن الخدمة المُضحية هي الطريق الصحيح المُرتب من الله للمجد والعظمة، وعلى الإنسان أن يسلك فيها، تاركًا لله المكان الذي يُحدده - بنعمته - للإنسان في المجد. فقد قرر الله في مشوراته الإلهية أن تُعطى المراكز التي عن يمين الرب يسوع وعن يساره، بحسب مقدار الألم من أجل المسيح ( مت 20: 23 ).