لقد امتدح الرب ما عملته مريم مدحًا رباعيًا فقال: (1) «عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَنًا» ( مت 26: 10 ): هنا نرى التقدير لشخصه. (2) «فَعَلَتْ ذَلِكَ لأَجْلِ تَكْفِينِي» ( مت 26: 12 ): وهنا نرى إدراكها لغرض التجسد، وهو موته فوق الصليب. (3) «عَمِلَتْ مَا عِنْدَهَا» ( مر 14: 8 ): أو كل ما تمتلك، هنا نجد تكريسها، والسجود للرب دائمًا مكلف (تك22). (4) «يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هَذِهِ تَذْكَارًا لَهَا» ( مت 26: 13 ): أي أن عملها هو عمل ممدوح، ذو تأثير باقِ ودائم.
ولأن ما عملته مريم هنا يعتبر صورة لسجود المؤمنين حول الرب يسوع، فيمكننا أن نطبق هذا المدح الرباعي على سجود القديسين الآن للمسيح.
والوحي يربط بين ما فعلته مريم والإخبار بالإنجيل. ولذلك يشير المسيح هنا إلى موته، فموته هو أساس الإنجيل المُبَشَّر به في كل مكان؛ وحيثما يُعلَن تأتي الإشارة إلى مريم وعملها. وهذا معناه أنه لا يمكن لشخص أن يقرأ الإنجيل دون أن يقرأ ما فعلته هذه المرأة. إمبراطوريات قامت وازدهرت، ثم تهاوت واضمحلت، أنصبة تذكارية شُيِّدَت لتمجد عباقرة مشهورين، ثم تآكلت تلك الأنصبة بفعل الزمان، واتجهت مسرعة هي وأصحابها إلى زوايا النسيان. لكن هنا نحن نرى الرب بنفسه يشيد تذكارًا لن يؤثر فيه الزمان مهما طال!
ونحن إن كنا نقرأ هنا عن تذكار لمريم، فإننا بعد قليل سنقرأ عن تذكار للمسيح، وما عمله لأجلنا. المسيح في محبة فائقة بذل نفسه، وهناك الآلاف من القديسين، في محبة لمُخَلِّصِهِم وفاديهم، قبلوا أن تنكسر قواريرهم لمجد ربهم وحبيبهم. وهكذا على طول ما في الزمن من أمد، سيظل يُخْبَر بما عمل المسيح لأجلنا، وما عمله محبوه لأجله.