مِنْ جَوْفِ الْحُوتِ، وفي ضيقه نفسه، وهو في قبره الحي، صرخ يُونَانُ للرب الذي حاول أن يختبئ منه. ولأن يُونَان - بِغضِّ النظر عن فشله - كان لا يزال ابنًا لله، فإنه يتحول بغريزة البنوة إلى ذاك الذي هو أحزنه، وذلك في الوقت الذي أدرك فيه أنه غرض التأديب الإلهي. والإنسان يكون في طريق رد النفس إذا كان على استعداد للإقرار بعدالة التأديب، وإذ رأى يُونَانُ أنه تحت يد الله، وإذ سبق أن اعترف للنوتية بأن هذه هي حالته، فها هو الآن يصرخ لذاك الذي يسمعه حتى «مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ».
جَازَتْ فَوْقَهُ جَمِيعُ تَيَّارَاتِ وَلُجَجِ الله. اكْتَنَفَتْه مِيَاهٌ إِلَى النَّفْسِ. أَحَاطَ بِه غَمْرٌ. الْتَفَّ عُشْبُ الْبَحْرِ بِرَأْسِه. ومع ذلك يقول: «وَلكِنَّنِي أَعُودُ أَنْظُرُ إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ» (ع1-5). في الواقع هو شيء مبارك أن النفس لا تخور تحت تأديب الرب ولا تحتقره، بل تتطلع إلى الله، وتعتمد على نعمته، مهما يضغط على الضمير الإحساس بالمذلة.
لكن الخلاص يقتضي أكثر من هذا، ويظهر أن يُونَان فشل فيه إلى حين. لقد نزل إلى أَسَافِلِ الْجِبَالِ، لكنه كان قادرًا بالإيمان أن يقول «أَصْعَدْتَ مِنَ الْوَهْدَةِ (أو الهاوية) حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي». لقد كانت نفسه على وشك أن تخور في داخله، لكنه تذكر الرب، وأيقن أن صلواته لا بد أن تُسمع وتصل إلى هيكله المقدس. وهو هنا في ذات المكان الذي ستوجد فيه بقية إسرائيل بحسب اختبارهم، عندما يزول عنهم عمى الحالة الحاضرة. ومع أنهم سيكونون بعيدين، لكنهم - بحسب صلاة سليمان ( 2أخ 6: 36 -39؛ دا6: 10) - سيتطلعون إلى هيكل الرب، ولو كان خرائب، تمامًا كما فعل دانيآل وهو يفتح كواه نحو أورشليم ويصلي (ع6، 7).