كانت الليلة الأخيرة، فلم يصرفها الرب مع أقاربه، ولا في أمور دنيوية، بل مع تلاميذه ليُعلّمهم واجباتهم السماوية. كان امتحانًا قاسيًا على شجاعته أن يحتفل بالفصح في نفس الليلة التي كان سيُسلَّم فيها، لأنه حسب تقاليد اليهود كان الفصح مناسبة فرح عظيم، لأنه ذكرى إنقاذهم من العبودية. وكان الرب يعلم كل ذلك، ومع كلٍ لم يشترك معهم في صمت، بل مكتوب «شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هَذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ» ( لو 22: 15 )، وكان هذا يتضمن التسبيح «ثُمَّ سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ». كانت كل رغبته أن يمجِّد الآب وينفذ مشيئته. كان في عنفوان شبابه وقوته، ولكنه كان يُسلِّم نفسه للموت طاعة لمشيئة أبيه. كان يقترب من الآلام والأحزان، ولكنه كان يُسبِّح.
رأى آخر غروب، أكل آخر أكلة، ولما تعمَّق الليل كانت برودة وظلمة الصليب تطبقان عليه، ومع كل كان يُسبِّح. لقد كان يعرف أن جثسيماني تواجهه بعد ساعة أو ساعتين، ومع كلٍ كان يُسبِّح. لقد أطلق يهوذا ليغدر به، وكان يعلم أنه سيلاقيه بقبلته الغاشة، ومع كلٍ كان يُسبِّح.
كان يعلم أنه في الصباح الباكر سينكره بطرس ويتركه هو وباقي التلاميذ ويهربون، ولكنه عمل على إراحتهم إلى المنتهى إذ قال لهم: «لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ». كان يعلم أنه، وهو المُعْلَم بين ربوة، سيكون «مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ» ( إش 52: 14 ). عرف كل ذلك، ومع كلٍ كان يُسبّح.
كان يعلم أنه بعد ساعات قليلة سيُعلّق على صليب اللعنة، ومع كل كان يُسبِّح. كان يعلم أنه قبل برهة وجيزة سيُجلَد، ويُطعَن بالحربة في جنبه، ويوضع في القبر ميتًا، ومع كلٍ كان يُسبِّح. أي إنسان هذا! إن شجاعته لا تُبارى ولا تُقاس، ونحن إذ نتطلع في تقدير وإعجاب نهتف: هللويا. يا له من مُخلِّص!