أراد بطرس أن يُكرم السَيِّد الرب، ولكنه أراد ذلك بطريقة بشرية، لذلك وضع سَيِّده على قَدَم المساواة مع كبار الأنبياء؛ موسى الوسيط في إعطاء الناموس، وإيليا أكبر الأنبياء. لكن الآب يُقاطع بطرس «فِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ»، وصوت من السحابة يدوي في مسامع التلاميذ، حيث نقرأ: «إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً: هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا».
مهما عظمت قيمة موسى، ومهما كبرت المهمة التي وُضعت على إيليا، فهما إنسانان لا أكثر، في حضرة ابن الله. إن الآب يُحب الابن، لقد أراد بطرس أن يضعه على نفس المستوى مع أعاظم الناس وأفاضلهم، لكن قصد الآب هو أن تجثو له كل ركبة، وأن يُكرِم الجميع الابن كما يُكرمون الآب. والإنسان في أرقى أحاسيسه لا يرى في ابن الله أكثر من إنسان، ولذلك لا يستطيع أن يُعطيه كل الاحترام الإلهي. أما الإيمان فيرى الله في الابن، ويسمع الله فيه، ويُمجِّد الابن في العلاقة الخاصة المُباركة مع الآب.
ويتدخل الآب ليُعلن مِن السحابة النيِّرة: «هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ». إنه لم يَقُل: “هذا هو مسيَّاكم”، ولو أنه بالطبع كان كذلك، بل يُعلن أعظم إعلانات العهد الجديد عن يسوع المسيح؛ إنه يُعلنه كابنه الحبيب، كما يؤكد سروره فيه، ويُضيف: «لَهُ اسْمَعُوا». فالكل – بما فيهم موسى وإيليا – ينبغي أن يتأخروا ليتقدَّم الابن. إن كرامة موسى وإيليا لا تُنكَران، ومركز كل منهما لا يُمََس، ولكن في ابن الله لا يليق الاستماع حتى لمُمثلي الناموس والأنبياء. وها هو الآب يُقدِّم للجميع الابن لكي “يسمعوا له وحدَهُ”، فيختفي الجميع سواه «وَلَمَّا كَانَ الصَّوْتُ وُجِدَ يَسُوعُ وَحْدَهُ» ( لو 9: 39 ).