بينما كان الرب في نعمة فائقة صامتًا أمام شر وخبث أعدائه، كان بطرس جالسًا مع أعداء سيده يستدفئ عند النار، وكان صامتًا لفرط خوفه. وبينما تكلَّم الرب ليشهد للحق، تكلَّم بطرس ليُنكر هذا الحق. لقد قال بطرس في ثقة في ذاته «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!»، ولكن عندما امتُحن بسؤال بسيط من جارية، دون أن يكون هناك أي تهديد أو تلميح بالموت من بعيد أو قريب، فإنه خاف وأنكر سيده.
عندما حذّر الرب بطرس من أنه سوف ينكره، عارض بطرس بشدة وافتخر بإخلاصه وتكريسه، ثم بعد ذلك بقليل، عندما كان الرب ساهرًا ومُصليًا، نجد بطرس نائمًا. وعندما كان الرب صامتًا أمام أعدائه، كان بطرس يضرب بالسيف. وعندما كان الرب يقدم الاعتراف الحسن أمام بيلاطس البنطي، كان بطرس ينكر الرب أمام جارية. ومع سقوط بطرس وإظهاره لعدم الأمانة، بقيَ الرب أمينًا كما هو؛ فبالرغم من كل الآلام التي تحمَّلها لرفض الأمة له، وخيانة تلميذ مزيف، وإنكار تلميذ حقيقي، ظلت محبة قلبه ثابتة دون أن يعتريها أي تغيير.
وعندما صاح الديك للمرة الثانية، تذكَّر بطرس قول الرب له: «إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». ولقد كسرت هذه الكلمات قلب بطرس المسكين، فسالت من عينيه دموع التوبة «فَلَمَّا تَفَكَّرَ بِهِ بَكَى» ( مر 14: 72 ). نحن لا نعرف مقدار الخداع الذي في قلوبنا على حقيقته، إذ أن الآية التي يُذكر فيها أن «اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ» تكمل بهذا السؤال: «مَنْ يَعْرِفُهُ؟». وفي الحال يقدم النبي الجواب: «أَنَا الرَّبُّ فَاحِصُ الْقَلْبِ مُخْتَبِرُ الْكُلَى» ( إر 17: 9 ). فذاك الذي يفحص ويعرف، هو الوحيد القادر على أن يحفظنا من السقوط، كما أنه أيضًا القادر على ردّ نفوسنا في حالة السقوط.