مع أن نَحَمْيَا كان متغربًا، وأحد أفراد ذلك الشعب المسبي، فقد وجد نعمةً في عيني الملك، إذ عيَّنه في وظيفة عالية رابحة - أي أن نَحَمْيَا كان في ظروف لو أحاطت بغيره لنسى ربه وبني قومه. أما نَحَمْيَا فلا الغُربة أنسَته أورشليم، ولا عظمة مركزه أنسَته واجبه من نحو إله إسرائيل، ولا تقسَّى قلبه عندما كان مغمورًا بالنعم وأسباب الترّف، بل ظل حافظًا لعهد الله، أمينًا من نحو صهيون، وهذا أمر واضح من زيارة حَنَانِي، وَاحِدٌ مِنْ إِخْوَتِه، هُوَ وَرِجَالٌ مِنْ يَهُوذَا، ومن سؤاله - الأمر الذي أظهر قلبه الكبير النابض بالمحبة لجميع الذين بقوا من السبي - إذ سأل عن اليهود الذين نجوا، الذين بقوا من السبي، بعدما أفسد الغزاة مظاهر العلم والجمال، وتركوا الدور خاوية، والحقول مُقفِرة، إلا من بعض العجَزة الذين لا يستطيعون شق عصا الطاعة. وسأل عن “أورشليم”؛ أي عن البقية التي صعدت إلى أورشليم بتصريح كُورَش مَلِكِ فَارِسَ، لتبني بيت الرب (عز1).
هكذا كان نَحَمْيَا مُتمتّعًا بلَّذة الشركة مع الله، بالرغم من المعطلات، ولم يشغله مركزه عن العمل لمجد إلهه، وخير شعبه. ونستطيع كمسيحيين أن نتعلَّم دروسًا نافعة من هؤلاء القديسين الذين لم يخطر ببالهم يومًا ما أن ينفصلوا عن شعبهم، بل كانت رغباتهم - كل واحدٍ بحسب موهبته الخاصة - تدور حول كل دائرة عمل الله على الأرض. وهكذا نسوا أنفسهم لأجل خير وبركة شعب إسرائيل بأجمعه. وإذا كانت الروابط التي ربطت أولئك اليهود قديمًا بشعب الله هكذا وثيقة ودائمة، فكم يجب أن تكون الروابط أشد وثوقًا، وأكثر ثباتًا بين جميع الذين اعتمدوا بروحٍ واحد إلى جسدٍ واحد!