احتج يوحنا المعمدان على تعميد الرب يسوع، لأنه أدرك أنه لم تكن له خطية يحتاج أن يتوب عنها. وهذا دفعه للقول إن الترتيب الأفضل هو أن يعتمد هو من المسيح، لا العكس. ولم يُنكِر المسيح ذلك، لكنه كرَّر ببساطة طلبه للمعمودية كأسلوب لائق، به “يُكَمَّلُ كُلَّ بِرّ”. ولقد شعر الرب أنه من اللائق أن يَتَّحِد مع أتقياء اليهود الذين أتوا للاعتماد بمعمودية التوبة. ولكن يوجد أيضًا معنى أعمق لهذا العمل؛ فلقد كانت المعمودية بالنسبة للرب يسوع فريضة ترمز إلى الطريق الذي كان سيُكمِّل فيه كل المطالب الإلهية العادلة لقاء خطية الإنسان. فإن تغطيسه بالماء يُمثِّل معموديته في مياة دينونة الله في الجلجثة، وصعوده من الماء إيذان بقيامته. فلقد كان يُريد أن يُوفيّ مطاليب العدل الإلهي، عن طريق موته ودفنه وقيامته، وذلك لكي يوفّر الأساس العادل الذي به يُمكن للخطاة أن ينالوا التبرير.
حالما صعد الرب يسوع من الماء «رَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ». فقد مُسِحَ الرب يسوع على أنه المسيح بواسطة الروح القدس، تمامًا كما كان الأشخاص - والأشياء - في العهد القديم، يُكرَّسون لأغراض مُقدَّسة بواسطة “دُهْن الْمَسْحَةِ المُقَدَّس” ( خر 30: 25 -30). وحقًا كانت المناسبة مهوبة؛ إذ كان الثالوث الأقدس مُتجليًّا بكل أقانيمه؛ فالابن الحبيب كان هناك، والروح القدس كان موجودًا في شكل حمامة، وصوت الآب كان يُسمع من السماء، مُعلنًا بركته على الرب يسوع. كان هذا حديثًا جديرًا بالتذكّر لأن صوت الله سُمِعَ وهو يستشهد بالأسفار المُقدَّسة قائلاً: «هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ» ( مز 2: 7 )، «الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ (كُلَّ السُّرُور)ِ» ( إش 42: 1 ). وهذه واحدة من ثلاث مناسبات تكلَّم فيها الآب من السماء مُعترفًا بابنه الوحيد بابتهاج ( مت 3: 17 ؛ 17: 5؛ يو12: 28)