كان جدعون قد رفض أن يتسلط على الشعب، كما طلبوا منه، سواء من جهة نفسه أو ابنه، والآن نرى واحدًا من أبنائه، وهو “أَبِيمَالِك”، يملك على الشعب بالحيلة والعنف، بعد أن قتل إخوته السبعين. وما أبعد الفرق بينه وبين الابن الأصغر لجدعون “يُوثَام”، الوحيد الذي نجا من مذبحة أبيمالك البشعة، ومعنى اسمه الرب كامل!
لم يخف يُوثَام أن يتكلَّم بالحق، وأن يشهد في مسامع أهل المدينة جميعًا، متمثلاً إلى حد ما بأبيه، الذي هدم مذبح البعل، وبنى مذبحًا للرب. أما مَثَل مُلك الأشجار فيقدم تعليمًا مفيدًا لنا اليوم. إنه يتحدث عن ثلاثة أشياء لا يجب أن نفوتها، بل نحفظها بعناية: (1) الزيت، أو دسم شجرة الزيتون، الذي يُصور لنا الروح القدس كمصدر القوة الوحيد للمؤمن. (2) حلاوة التينة وثمرها الطيب الذي يُعبِّر عن أعمال الإيمان. (3) الخمر الذي يفرح الله والناس، وهو صورة للشركة مع الله ومع بعضنا البعض. إن قبولنا مركزًا بارزًا في هذا العالم، وانشغالنا الزائد بأمور الحياة الحاضرة، يعني بالضرورة ترك هذه الامتيازات الثلاثة الثمينة. ليت الرب يحفظنا من هذا!
وفي إشعياء59: 7 نرى صورة محزنة لأناس يشبهون أَبِيمَالِك «أَرْجُلُهُمْ إِلَى الشَّرِّ تَجْرِي، وَتُسْرِعُ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ الزَّكِيِّ. أَفْكَارُهُمْ أَفْكَارُ إِثْمٍ. فِي طُرُقِهِمِ اغْتِصَابٌ وَسَحْقٌ». هل تغيَّرت صفات الناس الأشرار في عالم اليوم؟ كلا. بل حتى في البلاد المسيحية نرى الأمور السياسية يحكمها العنف والدسائس وعدم الاستقرار. وفي المثل الذي ذكره يُوثَام، سأل ثلاث مرات هذا السؤال: «أَأَتْرُكُ ... وَأَذْهَبُ لِكَيْ أَمْلِكَ عَلَى الأَشْجَارِ؟» (ع9، 11، 13). ونحن هل نترك خدمة الله والناس؛ أي السجود والشهادة، ونطلب المُلك والعظمة في هذا العالم؟ كلا، لن نفعل.