من تعليق هيرودس، نرى صورة لسطحية ولجهل عدم الإيمان الذي يُمَيِّز الملايين حتى اليوم؛ كل ما يهمهم هو المعجزات التي تُنسَب إلى هذا القديس أو ذاك، مع أن ليس كل القديسين عملوا معجزات، ولا كل من عمل المعجزات كانوا قديسين ( مت 7: 22 ، 23). فأبونا إبراهيم مثلاً لم يعمل معجزة واحدة، ولا يوحنا المعمدان أعظم المولودين من النساء، بينما سحرة فرعون عملوا المعجزات ( خر 7: 11 ، 22)، ويهوذا الخائن عمل المعجزات ( مت 10: 3 -8). وسر تعلق الإنسان الطبيعي بالمعجزات أنها تثير دهشة الإنسان، دون أن تتعب ضميره. كان المطلوب من هيرودس التوبة الصادقة عن الخطية، وليس معجزات ينسبها ليوحنا المعمدان أو حتى للمسيح نفسه. ولذلك فحين وقف المسيح أمامه يوم الصليب، وترجَّى هيرودس أن يرى آية تُصنع منه، لم يكتفِ المسيح بعدم تلبية طلبه، بل إنه لم يُجبه على الإطلاق ( لو 23: 9 ). فمن يحتقر بتكرار وبإصرار رسالة الله التي وصلته، دعه لا يعشم أن تصله رسالة أخرى من الله. ومثل هيرودس هناك الملايين اليوم أيضًا يحتاجون إلى التوبة، لكنهم منصرفون وراء معجزات تنسب وهمًا لقديسين!
من إنجيل مرقس نفهم أن «هِيرُودُسَ كَانَ يَهَابُ يُوحَنَّا عَالِمًا أَنَّهُ رَجُلٌ بَارٌّ وَقِدِّيسٌ، وَكَانَ يَحْفَظُهُ. وَإِذْ سَمِعَهُ، فَعَلَ كَثِيرًا، وَسَمِعَهُ بِسُرُورٍ» ( مر 6: 20 ). ولكنه لم يعمل الشيء الوحيد المطلوب منه: التوبة عن الخطية. قال المسيح: «إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ» ( لو 13: 3 ، 5). لقد كانت لدى ذلك الملك الفاسد ميول دينية، لكن علينا أن نميِّز بين التدين والتقوى، فيمكن لأشر الناس أن يكونوا متدينين. فقايين أول قاتل في التاريخ، كان أيضًا أول متدين في التاريخ، وهكذا كان هيرودس أيضًا.