ظهر إله المجد لإبراهيم، وطلب منه أن يخرج من أرضه ومن عشيرته، وأن يترك كل شيء عزيز على الطبيعة، ويذهب إلى الأرض التي يريه إياها، فآمن إبراهيم بالله. هذه هي نقطة بداءة إيمانه. نحن نعلم أنه كانت هناك دروس أعمق سيُعلِّمه الله إياها في أرض كنعان، ولكنه تعلَّم الدرس الأول في البداءة؛ درس الإيمان بالله، حين خرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي. هذه هي إطاعة الإيمان ظاهرة في الخطوة الأولى التي اتخذها إبراهيم.
وكانت الخطوة الثانية هي حياته في كنعان. فعندما وصل إلى أرض الموعد لم يأخذ وطأة قدم، الشيء الوحيد الذي امتلكه هو قبر، ليذكِّره دائمًا أن أملاكه ليست هنا، وأيضًا ليضع أمامه رجاء القيامة. فكان له إيمان يتمسك بإله القيامة، ويثق أن نسله سيمتلك تلك الأرض عينها. أما هو فعاش في خيام مع إسحاق ويعقوب عيشة تُنبئ بأن وطنه ليس هنا، فالخيمة تتكلَّم عن حياة الغريب السائح.
لقد «كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ» ... لا يقول إنه كان ينتظر مدينة؛ أي أية مدينة، بل كان ينتظر مدينة معينة معروفة له، لها الأساسات، أي الأساسات المعروفة له أيضًا. ولا شك أن المسيح نفسه هو أساس تلك المدينة السماوية، وعمله الكفاري هو القاعدة التي ترتكز عليها، كما يرتكز عليها كل شيء آخر. تطلع إبراهيم رجل الإيمان إلى تلك المدينة، فلم يكن يتطلع إلى امتلاك شيء في كنعان، إذ كانت الخيمة هي كل ما يمتلك هناك، كان يتطلع وينتظر مدينة: الله هو الذي صممها، والله هو الذي بناها.
وهكذا نرى أن الإيمان يطيع دعوة الله ويعيش بالانفصال عن كل ما هو حوله هنا، وهو أيضًا يتطلع إلى الأمام، إلى الوقت الذي فيه ندخل إلى فرح الرب الكامل، في المسكن الذي أعده الله لشعبه المفدي.