يُعذر التلميذ الذي لا يملك قدرة عقلية فائقة، ويُعذر التلميذ الذي لم تتوفر لديه قوة جسمانية فذة. ولكن لا يُعذر التلميذ الذي يفتقر إلى الغيرة. ألا يُقاصص من لم يضرم قلبه بحماس روحي.
أليس المسيحيون اتباع ذاك الذي قال: «غَيْرَةُ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي» ( يو 2: 17 )؟ لقد كان مخلصًا متقدًا غيرة لله، ولجميع ما يختص بالله. فكيف يرضى لذاته بأتباع فاترين؟
كان بولس الرسول غيورًا جدًا، وقد حاول أحدهم أن يصف غيرة حياته في المقطع التالي: “أمامنا رجل لا يهتم بجمع زمرة من الأصدقاء، أو ثروة مادية، لا قيمة عنده للأشياء العالمية، عاش بلا هم في الحياة، وبلا خوف من الموت. رجل لا يسعى لمنصب، ولا يتحمس لبلد، ولا يسعى لتحسين حالته. همُّه الأوحد إنجيل المسيح. رجل له غرض واحد هو مجد الله، حسبه الناس غبيًا، فرضي بذلك لأجل المسيح، حسبوه متعصبًا مهيجًا للفتن، فلم يعترض على أن يلقيه الناس بما شاءوا. وإن دعوه تاجرًا، أو رب بيت، أو مواطنًا، أو صاحب ثروة، أو رجل علم، أو رجل عالم، أو حتى صاحب ذوق سليم، فلا يؤثر أحدها على سجاياه. عليه أن يتكلم أو يموت، ولن يحجم عن الكلام حتى إذا أدى به ذلك إلى الموت. لم يعبأ بالراحة، بل راح يجوب البر والبحر فوق الصخور، وفي برار مجهولة لم يسلكها قبله إنسان، وهو ينادي بصوت عال لا يسكت، ولا ينثني عن عزمه. في السجن يرفع صوته، وفى عواصف المحيط لا يهدأ، وقدام المجامع الرهيبة المفزعة وعروش الملوك يشهد للحق. لم يستطع أحد أن يخمد صوته إلا الموت بل حتى في ساعة الموت، وقبل أن تفصل السكين رأسه عن جسمه، نسمعه يتكلم، ويصلي، ويشهد، ويعترف، ويتوسل، ويناضل وأخيراً يبارك الشعب القساة”.