كان أَبَفْرُودِتُسُ من الأشخاص الذين يخفون ذواتهم، ولذلك لم يدخر الرسول بولس وسعًا في مدحه وفي ذكر أعماله. فعندما كان أَبَفْرُودِتُسُ مريضًا وعلى أعتاب الموت، بدلاً من أن ينشغل بنفسه وبآلامه، نراه يفكر في الآخرين. فيكتب عنه الرسول أنه «كَانَ مُشْتَاقًا إِلَى جَمِيعِكُمْ وَمَغْمُومًا». ولماذا؟ هل لأنه كان مريضًا؟ هل لأجل أسقامه وأوجاعه وآلامه؟ كلا. لا شيء من مثل ذلك، لأن أَبَفْرُودِتُس لم يكن من جماعة المتذمرين الآنين، بل كان مهتمًا بالآخرين «وَمَغْمُومًا، لأَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا». ويا للجمال الفائق! فقد كان أَبَفْرُودِتُسُ مشغولاً بحزن الفيلبيين من أجله. والشيء الوحيد الذي كان يؤلمه في مرضه، هو تأثرهم عليه. ويا للشعور السامي! هذا الخادم المكرَّم وقد قارب الموت، عوضًا عن أن ينشغل بنفسه وأوجاعه، ينشغل بأحزان الآخرين.
ونلاحظ الطريقة المؤثرة التي يُوصي بها الرسول، جماعة الفيلبيين، بأخيهم المحبوب أَبَفْرُودِتُس (ع25-30). كلمات مؤثرة، وموج من العواطف والحنان الإلهي يتدفق على ذلك الأخ الأمين المتواضع المضحي بذاته. فجميع الأخوة في فيلبي، وكذا الرسول المغبوط، وفوق الكل الله نفسه؛ الكل يهتمون وينشغلون برجل لم ينشغل هو بنفسه. لو كان أَبَفْرُودِتُسُ شخصًا يسعى لصالحه الذاتي، ولو كان اهتم بنفسه أو بصوالحه أو حتى بعمله، لما تلألأ اسمه بهذه الصورة على صفحات الوحي. ولكن الأمر كان خلاف ذلك. فهو اهتم بالآخرين وليس بنفسه، ولهذا اهتم به الله، وجعل الرسول يهتم به أيضًا، ويُوصي القديسين في فيلبي أن يهتموا به. وهكذا هو الحال في كل زمان ومكان. فالشخص الذي ينشغل كثيرًا بنفسه، يُريح الآخرين من عناء المشغولية به. ولكن الأخ الوديع المتواضع الخالي من الذات ومن كل إدعاء باطل، والـمُنكر لذاته، يكون على الدوام موضوع عناية الله وشعبه.