الحاجة للتبشير بالصليب، بأسلوب الرسول بولس، ليست أقل في أيامنا هذه، عما كانت عليه في القرن الأول. بل ربما هي أشد. فالتركيز على عظمة ومجد وحكمة الإنسان لم يبلغ شأنًا مثل الذي بَلَغَه اليوم. ولم يحدث من قبل أن افتخر الناس - حتى المدعوون مسيحيين منهم - بقدراتهم، مثلما هو حادث اليوم. ولكن لم تظهر ضحالة حكمتهم، مثلما ظهرت اليوم أيضًا. أما الصليب فيضع كل شيء في مكانه الصحيح، فهو يعطي كل المجد للمسيح الذي تألم عليه، ولا يعطي أي مجد للإنسان الذي علَّقه هناك. وهذا حق.
فهل عرفنا واستوعبنا في قلوبنا معنى الصليب؟ لقد حوَّل الملايين من المسيحيين بالاسم، الصليب إلى رمز يرفعونه على المباني المُخصصة للعبادة، أو يُعلّقونه على صدورهم، يصنعونه من الذهب ويرصّعونه بالأحجار الكريمة. ولكن ليكن هدفنا نحن أن ننقشه على ألواح قلوبنا اللحمية، بحيث نرى الكل من خلاله، فنتجنب تمجيد الإنسان الزائل، ونسعى دائمًا وفقط إلى مجد المسيح، وأن نتحرر من إعطاء المكانة لأي إنسان، حتى لأفضل الناس. وأن نتحرر قبل كل شيء من إعطاء المكانة لأنفسنا. وبالنسبة لنا، فليكن المسيح هو الأول. والمسيح هو الآخر، والمسيح هو ما بينهما؛ المسيح الذي هو قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ الله ( 1كو 1: 24 ).
ونحن، بالنعمة، لا نريد مسيحًا غير مسيح الصليب. فنحن من ضمن “الْمُخَلَّصِينَ” أو “الذين خلصوا”. ونحن مدعوون من الله، ونؤمن أن المسيح هو حقًا قوة الله وحكمته. وهو الذي سيبيد حكمة الحكماء ويرفض فهم الفهماء، ويُتمّم كل مقاصد الله ( 1كو 1: 21 ).