إن ما عمله المسيح مع هذا الرجل الأعمى منذ ولادته، يُعتبر أحد الأدلة القوية على لاهوت المسيح، وهو موضوع إنجيل يوحنا الرئيسي. فالله خلق الإنسان في البداية من الطين ( أي 33: 6 )، وها المسيح، بوضعه الطين على عيني الأعمى، كأنه يُكمِّل ما نقص من خلقة ذلك الرجل!
إذًا فلقد كان عمانوئيل، الرب الشافي، وسطهم، وسبق له أن فتح أعين كثيرين، لكن كانت الأمة بالأسف في حالة العمى الروحي، فلم تُبصر شافيها ولا فاديها الذي أتى لنجدتهم. على العكس من ذلك، كان إدراك الرجل الذي كان أعمى فأبصر يزداد: فأولاً عرف أنه «إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ» (ع11)، ثم سرعان ما نما في النعمة والمعرفة، وأدرك أنه «نَبِيٌّ» (ع17)، ثم أدرك ثالثًا أنه «مِنَ اللَّهِ» (ع33). على أن معرفة المسيح أنه «ابْنِ اللَّهِ»، كان يستلزم إعلانًا مباشرًا من المسيح، وهو ما فعله المسيح معه فعلاً، إذ وجد الإخلاص متوفرًا.
وعندما تمسك ذلك الرجل بالولاء للمسيح، طرده اليهود خارج المجمع، أي جرَّدوه من انتسابه الوطني، واعتبروه كجسم غريب فلفظوه، وهو عين ما يحدث مع الكثيرين حتى يومنا هذا. على أن المسيح التقاه في الخارج وسأله: «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللَّهِ؟ أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ! فَقَالَ: أُومِنُ يَا سَيِّدُ! وَسَجَدَ لَهُ» ( يو 9: 35 -38).
لقد خسر صاحبنا مكانًا يُمكنه أن يقترب إليه، لكي يسجد سجودًا طقسيًا، لكنه وجد شخصًا يمكنه أن يسجد له السجود الحقيقي. ونلاحظ أن ذلك الرجل لم يسجد أمام «إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ»، كما أنه لنبي أيضًا لم يسجد، ولكن لمّا عرف أن المسيح هو ابن الله، سجد له!