أما وُجد بين التلاميذ واحد يذكر كلمات الرب الوداعية «لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا» ( يو 15: 5 )؟ لكن على أية حال جميعهم اختبروا صدق هذه الكلمات على بحر طبرية في تلك الليلة. لأن كل قوتهم وكل مهارتهم وكل حكمتهم وكل خبرتهم بالبحر لم تُجدِ نفعًا. لم يُمسكوا شيئًا في تلك الليلة. وبزغ ضوء الصباح الباكر على قوم جياع مكتئبين منهوكي القوى ومتضايقين، يحز فيهم الخجل من فشل مشروعهم.
ولكن مَنْ هذا الذي يظهر على الشاطئ مع الفجر خلف الضباب؟ مَنْ هذا الذي يعلو صوته على خرير المياه المنكسرة على الشاطئ؟ لقد سألهم سؤالاً، فما هو هذا السؤال؟ هل قال لهم: ماذا كان ليلكم؟ وما هو صيدكم؟ وهل أمسكتم سمكًا؟ ... كلا. لم يكن هكذا سؤال الرب. إن سؤالاً كهذا كان يُعتبر غمزة تأنيب وتوبيخ على فعلة من فعلات الذات عديمة الثمر. ولعلهم يستحقون التوبيخ والتأنيب، ولكن المُتكلِّم يعرف كيف “يُغِيثَ الْمُعْيِيَ بِكَلِمَةٍ”. العطف أولاً، ثم بعد ذلك قد يأتي التوبيخ.
«يَا غِلْمَانُ أَلَعَلَّ عِنْدَكُمْ إِدَامًا؟» ... وكم ناسبت هذه الكلمة حال أولئك الرجال الجياع. لقد قالها ذاك الذي ظل طيلة السنوات الثلاث الماضية يرعاهم بعين ساهرة حتى لا يُعوزهم شيء. وسألهم الرب هذا السؤال لكي - قبل أن يُعلن عن نعمته ويكشف لهم رحمته - يُشعرهم بجهالتهم وفشلهم فيما أقدموا عليه، وعندئذٍ يُمكنهم تقدير وليمة الشبع التي جهزها لهم، أعظم التقدير. لقد رتب لهم على الشاطئ نارًا للدفء وطعامًا للشبع «فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى الأَرْضِ نَظَرُوا جَمْرًا مَوْضُوعًا وَسَمَكًا مَوْضُوعًا عَلَيْهِ وَخُبْزًا». فيا للنعمة!