التغذي بالمَن معناه التأمل في المسيح كالإنسان المتضع الذي أعلن الآب للعالم، والتفكُّر في نعمته وصلاحه، وحنوِّه وعواطفه، ورقته ومحبته، ووداعته وتواضع قلبه، وصبره واحتماله، وطول أناته ومثاله الكامل.
وتوجد نقطتان فيما يتعلق بجمع المَنّ وكيفية استعماله. فكان الإسرائيليون يخرجون من المحلة «وَيَلْتَقِطُونَ حَاجَةَ الْيَوْمِ بِيَوْمِهَا» ( خر 16: 4 ). وهكذا يجب أن نخرج نحن لهذا الغرض عينه. وطبعًا كان عليهم لكي يجمعوا ويلتقطوا المَن؛ أن ينحنوا أو يركعوا. وهذه صورة للسجود والشكر على هذه النعمة الغنية التي لا تُقدَّر؛ نعمة ربنا يسوع المسيح الذي نزل من السماء ليكون طعام شعبه.
وأما النقطة الثانية، فهي أن المَن لا يمكن أن يُخزن لاستعماله في المستقبل «كَانُوا يَلْتَقِطُونَهُ صَبَاحًا فَصَبَاحًا كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حَسَبِ أُكْلِهِ» ( خر 16: 21 ). وهكذا معنا الآن، فنحن علينا أن نلتقط من المَنّ السماوي يوميًا. وطعام اليوم لن يَصْلُح للغد، إذ يجب أن نتغذى بالمسيح باستمرار، يومًا بعد يوم، وساعة بعد الأخرى، ولا يمكننا أن نأخذ منه أكثر من حاجتنا اليومية، وهذا يقودنا إلى الاستناد المستمر عليه والشخوص دائمًا إليه «كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي» ( يو 6: 57 ).
أما عندما كان الإنسان يحفظ المَنْ لنفسه، فكانت علامات الفساد تدب فيه. وذلك يشير إلى أن حقائق المسيحية لا تُحفظ في الذهن. فالذي فهمناه وتعلمناه، نحن مسؤولون أن نسير بموجبه ونعيشه عمليًا. فالحياة المسيحية ليست مجرد حفظ حقائق، والتمسك بمعتقدات والمُجاهرة بنظريات دينية لاهوتية، بل هي عيشة عملية تظهر في حياتنا.