إن وساطة بولس الرسول بين فليمون وأُنسيمس هي صورة باهتة، لِما فعله المسيح. لقد تحمَّل على الصليب كل تعدياتنا وحمل عنا الدينونة التي نستحقها. لقد تقدم إلى الله طوعًا متعهدًا «احْسِبْ ذلِكَ عَلَيَّ». إلا أن هناك فرقًا كبيرًا بين ما كتبه بولس الرسول: «أَنَا أُوفِي» ويقصد به المستقبل، وبين المُخلِّص المُقام الذي لم يستخدم صيغة المستقبل، بل قد أوفى فعلاً بموته وقيامته؛ لقد «أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا». ومثلما قدم الرسول بولس أساسًا لتبرير أنسيمس في وساطته لدى فليمون، هكذا فلنبارك الله من أجل الوساطة الفعّالة لربنا يسوع والتي نتمتع بثمارها الأبدية:
فأولاً: كانت وصية الرسول لفليمون بالنسبة لأنسيمس «فَاقْبَلْهُ»، أي لا يتجاهله ولا يرفضه. وكم هو عظيم قبول الله لمَن يؤمن، هذا القبول التام الخالص.
ثانيًا: كانت كلمات الرسول: «لِكَيْ يَكُونَ لَكَ إِلَى الأَبَدِ» مشجعة. فيما سبق كانت العلاقة بين أنسيمس وسيده مُعرَّضة للانقطاع بعد سوء سلوك أنسيمس. أما الآن فهناك علاقة جديدة لا يمكن أن تنقطع. وهي نفس مُعاملة الله الرحيمة معنا. فنتيجة لعمل المسيح، نقف أمام الله في علاقة أبدية لا يمكن أن تُفصم.
ثالثًا: يطلب بولس الرسول من فليمون طلبًا يبدو مستحيلاً أن: «اقْبَلْهُ نَظِيرِي». فكان ممكنًا لفليمون أن يُجيب على هذا الطلب بالقول: “أقبله ... نعم، وإلى الأبد ... نعم، ولكن أكون مُنافقًا لو قلت إنني أستطيع أن أقبله مثل بولس الذي أحبه”. ولكن هذا الذي كان من الصعب على فليمون أن يفعله، كما نعتقد أو نتخيَّل، قد فعله الله. فجميع المؤمنين أصبح موقفهم أمام الله “مقبولين فِي الْمَحْبُوبِ” ( أف 1: 6 ). لقد أصبحنا مقبولين بكل القبول والامتيازات التي للمسيح نفسه؛ وهو أمر عجيب يفوق التعبير، ولا يمكن تصديقه لو لم يَرِد في كلمة الله.