نرى في تاريخ هاجر الشخصي مثالاً لمعاملات نعمة الله مع خاطئ ضعيف يائس. إنَّها، جزئيًا بسبب غلطة من جانبها، وجزئيًا بسبب الظلم وسوء الحظ، وجدَت نفسها في موقف بائس للغاية، ومع ذلك ذكَرها الله ونظر إليها، وكان رحيمًا بها. كانت هاجر على شفا الموت عطشًا رغم أنها كانت على مقرّبة من عين الماء ( تك 16: 7 ). ولم نقرأ أنها ذكرت الله أو طلبته (راجع تك21). لكن ملاك الرب ناداها قائلاً لها: «مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لاَ تَخَافِي، لأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ الْغُلاَمِ حَيْثُ هُوَ. قُومِي احْمِلِي الْغُلاَمَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ». كانت هاجـر عمياء عن نبع الخلاص إلى أن «فَتَحَ اللهُ عَيْنَيْهَا فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ، فَذَهَبَتْ وَمَلأَتِ الْقِرْبَةَ مَاءً»، وخلصت من الهلاك عطشًا ( تك 21: 17 -19). وأكثر من ذلك، سمعت وعدًا من الله في ابنها الذي سوف تكون له تخوم واسعة وبركات زمنية، وأنها سوف تشد يدها به.
صحيح أنَّ الله قد صادَق على أن تُطرَد هذه الجارية من بيت إبراهيم، لكنه أسدَل عليها ستره في زمان تيهانها.
كانت البئر في برية بئر سبع، وذلك من قبل أن تنفتح عيناها وتراها. فالله هو الذي هيأها في الوقت المناسب، في وقت تكون حاجتها إليها ماسة جدًا. وهو الذي هَدَى خطواتها إلى طريق تلك البئر، وفتح عينيها لتبصرها. كل ما كان على هَاجَر أن تفعله هو أن تأخذ وتشرب لمَّا نضبت مواردها البشرية؛ «لَمَّا فَرَغَ الْمَاءُ مِنَ الْقِرْبَةِ» ( تك 21: 15 ).
نعم، ما كان عليها إلا أن تأخذ وتشرب ممَّا أعدَّته نعمة الله المُحسنة في برية مُقفرة.