كما كانت حاجة نعمان هي التي أفسحت المجال لإظهار نعمة الله العاملة في النبي أليشع، فإن ثروة نعمان أظهرت ما كان في قلب جيحزي من طمع. ولكي يُشبع جيحزي ما في قلبه من طمع، لم يتردد عن أن يكذب، فركض وراء نعمان وقال: «إِنَّ سَيِّدِي قَدْ أَرْسَلَنِي»، وهذه كانت أول كذبة. ثم اختلق قصة مجيء غلامين من بني الأنبياء لسَيِّده، وهذه كانت ثاني كذبة. وقد حصل على وزنتي الفضة وحُلتي الثياب وعاد ودخل البيت وأودعها فيه، ثم دخل ووقف أمام سَيِّده، كأن شيئًا لم يحدث، لكن أليشع سأله: «مِنْ أَيْنَ يَا جِيحْزِي؟»، فأجاب: «لَمْ يَذْهَبْ عَبْدُكَ إِلَى هُنَا أَوْ هُنَاكَ». هذه كذبة ثالثة.
لكن الخطية كُشفت للنبي، وليس الخطية فقط، بل الباعث لها أيضًا. لقد كان جيحزي يطمع في أن يكون له زيتون وكروم وغنم وبقر وعبيد وجوارِ، فكاشفه النبي بهذا كله، وكاشفه بما كان في قلبه، ثم نطق بقضاء الله عليه، وكأنه قال له: ما دمت قد أخذت يا جيحزي من غنى نعمان وثروته، فلا بد أن تأخذ مرضه أيضًا «فَبَرَصُ نُعْمَانَ يَلْصَقُ بِكَ وَبِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ»؛ الثروة التي أخذتها من نعمان ستنتهي، أما البَرص فسيبقى، ولا يمكن لكل مياه الأردن أن تطهرك منه.
لقد نظر أليشع إلى خطية جيحزي أولاً وقبل كل شيء من ناحية ارتباطها بالله وبنعمته، ومدى تأثيرها على الشهادة لله. وهكذا رأى أليشع أن جيحزي شوَّه جمال نعمة الله. أليشع رفض كل عطايا نعمان لئلا يظن هذا الأممي أنه يمكن الحصول على بركات الله مقابل عطايا، لكن جيحزي أساء بعمله إلى هذه النعمة المجانية. ونلاحظ أن الامتيازات الدينية مهما عظمت لا يمكن أن تقي من عمل الخطية. لقد كان جيحزي يعيش مع واحد من أعظم الأنبياء، ومع كل ذلك سقط في الخطية.