كم هو حسن أن نعرف فكر الله. وعندما نستعرض سيرة حياة يعقوب، نجد أنه كثيرًا ما افتقد هذا الفكر، على أنه الآن أصبح: إسرائيل؛ أمير الله. ورغم أن عينية الطبيعيتين كانتا قد كلَّتا، ولم يَعُد يُبصِرَ، لكن بصيرته الروحية لم تكن قبلاً أحّد منها الآن. فيقول الوحي: «فَمَدَّ إِسْرَائِيلُ يَمِينَهُ وَوَضَعَهَا عَلَى رَأْسِ أَفْرَايِمَ وَهُوَ الصَّغِيرُ، وَيَسَارَهُ عَلَى رَأْسِ مَنَسَّى. وَضَعَ يَدَيْهِ بِفِطْنَةٍ فَإِنَّ مَنَسَّى كَانَ الْبِكْرَ» ( تك 48: 14 ).
بالإيمان، وضع يده اليُمنى - يد البركة - في فطنة على رأس أفرايم الأصغر. وبفعلته هذه، أكدّ يعقوب مبدءًا كتابيًا هامًا أن البركة تكمن في الإنسان الثاني وليس في الأول. لقد اختار الله اسحاق لا إسماعيل، اختار يعقوب ولم يَختر عيسو، فارص دون زارح، وهنا أيضًا أفرايم وليس منسى. كل هذا يوضح أن الله رتب أن يغدق علينا بركاته، ليس عن طريق الإنسان الأول؛ آدم، وإنما في الإنسان الثاني، ومن خلاله. إنه - تبارك اسمه - الرب من السماء؛ الإنسان الذي وجد فيه الله كل سروره!
لنتأمل بإمعان الكلمات الواردة في 1 كورنثوس 15: 22، 45 «لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ ... هكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضًا: صَارَ آدَمُ، الإِنْسَانُ الأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً، وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحًا مُحْيِيًا». إن تصرف إيمان يعقوب البسيط هذا، يُناقض أفكار الإنسان الطبيعي وتصرفاته، وهو يُثبت حقيقتين واضحتين للأجيال عبر القرون: (1) ما أبعد أفكار الله عن أفكار الإنسان الساقط. (2) التناسق العجيب بين أجزاء كلمة الله، حتى في أدق التفاصيل. لا غرو إذًا أن يشير كاتب العبرانيين إلى إيمان يعقوب «بِالإِيمَانِ يَعْقُوبُ عِنْدَ مَوْتِهِ بَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ ابْنَيْ يُوسُفَ، وَسَجَدَ عَلَى رَأْسِ عَصَاهُ» ( عب 11: 21 ).