«فَيَسْكُنَ إِسْرَائِيلُ آمِنًا وَحْدَهُ» ... هذا هو المركز اللائق بشعب الله أن يكون منفصلاً عن الشعوب ومُفرزًا للرب، وهكذا رآه بلعام عندما فُتحت عيناه فقال: «هُوَذَا شَعْبٌ يَسْكُنُ وَحْدَهُ، وَبَيْنَ الشُّعُوبِ لاَ يُحْسَبُ» ( عد 23: 9 ). وما أحوجنا في هذه الأيام إلى مُراعاة مبدأ الانفصال بدقة فلا يستحي بنا الله أن يُدعى أبانا «لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» ( 2كو 6: 17 ، 18).
«تَكُونُ عَيْنُ يَعْقُوبَ إِلَى أَرْضِ حِنْطَةٍ وَخَمْرٍ، وَسَمَاؤُهُ تَقْطُرُ نَدًى» ... فإن كان إسرائيل يعبر في البرية الناشفة الوَعرة، ولكنه يستطيع أن يمد بصره بالإيمان فيرى أرض الموعد، الأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً. بل إن الإسرائيلي كان يستطيع أن يستخف بكل مشقات الطريق. وهكذا كان الآباء قديمًا الذين «لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ» ( عب 11: 13 ).
ويا ليتنا نحن بدورنا نثبِّت عيوننا دائمًا في رجائنا المبارك الذي هو أفضل بما لا يُقاس من رجاء إسرائيل الأرضي، فتكون لنا «تَعْزِيَةٌ قَوِيَّةٌ، نَحْنُ الَّذِينَ الْتَجَأْنَا لِنُمْسِكَ بِالرَّجَاءِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا، الَّذِي هُوَ لَنَا كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ مُؤْتَمَنَةٍ وَثَابِتَةٍ» ( عب 6: 18 ، 19) وحينئذٍ نستطيع أن نستهين بآلام الزمان الحاضر إذ هي «لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا» ( رو 8: 18 )، بل نستطيع أيضًا أن نتخلَّص من التعلق بأمور الزمان الحقيرة إذ تتضاءل قيمتها في نور ذلك المجد، كما استطاع أبونا إبراهيم أن يترك وطنه وأهله وعشيرته عندما ظهر له “إله المجد”.