قصة هذه المرأة تلخص لنا قصة البشرية كلها في جانبين: الأول، إفلاسنا الشامل، والثاني: رصيدنا الكامل. فمن الوجهة الأولى نجد هذه الأرملة المسكينة مُفلسة معنويًا، إذ مات رجلها ولم يَعُد لها سَنَد يحميها. كما كانت مُفلسة ماديًا، فعندما سألها رجل الله أليشع عما لها في البيت، قالت: "لَيْسَ لِجَارِيَتِكَ شَيْءٌ فِي الْبَيْتِ إِلاَّ دُهْنَةَ زَيْتٍ"! لقد استدانت لتأكل هي وولديها، ولم تقدر على إيفاء فوائد الدين حتى أن المُرابي أتى ليأخذ ولديها له عبدين. ولكن الحياة التي تمسها يد الله مهما كانت حياة بائسة، فإنها سرعان ما يتغير مصيرها ويتبدل مسارها.
لقد كان زوجها الراحل واحدًا من بني الأنبياء، وكان "يَخَافُ الرَّبَّ"، ولأن التقوى نافعة لكل شيء، فقد أفادت أسرته بعد وفاته، فإن هذه المرأة يقينًا رأت في زوجها رجلاً يتوكَّل على الرب، فكان أن المرأة لجأت هي في ضيقتها إلى نبي الرب "وَصَرَخَتْ إِلَى أَلِيشَعَ" (ع1). نعم لقد كان هناك على الجانب المُضيء "مخافة الرب"، كما كانت هناك أيضًا "الطاعة للرب" مُمثلة في استجابتها لطلبات أليشع التي بَدَت غير معقولة وقتها "اسْتَعِيرِي لِنَفْسِكِ أَوْعِيَةً ... مِنْ عِنْدِ جَمِيعِ جِيرَانِكِ ... لاَ تُقَلِّلِي ... وَصُبِّي فِي جَمِيعِ هذِهِ الأَوْعِيَةِ"! إلا أنها أطاعت دون مناقشة. فالله يعرف أفضل منا، وحسنٌ لنا أن نطيعه دون إخضاع كلامه لمنطقنا البشري القاصر والمحدود. ثم كانت هناك "كفاية الرب وحده"؛ "اذْهَبِي بِيعِي الزَّيْتَ وَأَوْفِي دَيْنَكِ، وَعِيشِي أَنْتِ وَبَنُوكِ بِمَا بَقِيَ".
إنه ونحن بعد في خطايانا، لزم أن نعرف إفلاسنا من جهة البر أمام الله، ولزم أن نلجأ إلى الرصيد الإلهي من البر الذي من الإيمان بالمسيح، ثم طوال الطريق نكتشف يومًا وراء الآخر لا شيئيتنا وبؤس حالنا واحتياجاتنا فنلتجئ إلى الرب الذي هو الكل، وعنده نعمة تكفي ومخازنه لا تفرغ؛ سواء في الأمور الزمنية أو الروحية.
إنه درس يتعمق فينا مع الزمن: نفوسنا وإفلاسها، وشخصه وكفايته.