كان أحد أبناء “حَام” يقطع رحلة شاقة عبر صحراوات أفريقيا من مقر إقامته في “كوش”، حاملاً بين جنبيه قلبًا مُثقلاً متجهًا إلى حيث «اَللهُ مَعْرُوفٌ فِي يَهُوذَا. اسْمُهُ عَظِيمٌ فِي إِسْرَائِيلَ» ( مز 76: 1 ). كان قد سمع عن إله إسرائيل، وعن المدينة المقدسة حيث يوجد مسكن الله، فإنه حتى هذا الوقت كان مجرى الرحمة ينساب من عرش الله على أورشليم. أما وقد رفضت أورشليم «مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ» ( إش 55: 3 )، فقد أخذ المجرى يتحول؛ إنه لم يتوقف عن الجريان وإن كان مساره قد تغيَّر. إنه حوَّل طريقه صوب السامرة النجسة ( أع 8: 4 -25)، ثم امتد إلى ما وراءها حتى وصل إلى البرية ( أع 8: 26 -40). وهناك شوهد الخصي الحبشي راجعًا إلى أرضه بنفس غير مرتوية، لأن يوم أورشليم كان قد مضى، إذ “لَمْ تَعْرِف زَمَانَ افْتِقَادِهاِ” ( لو 19: 44 ). لكن الله «يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ» ( عب 11: 6 ). وما دام قلب ذلك الحبشي يطلب الرب، فلا يمكن أن يضيع سعيه باطلاً؛ فإن فيلبس اقترب منه طاعةً لأمر الروح القدس، وسمعه يقرأ النبي إشعياء. وما كان الثراء، وما كان العلم، ولا المكانة العالمية لتمنح صاحبنا هذا الغنى الذي كان على وشك أن يجده، والذي كان مكنوزًا في ذلك الكتاب الذي أحضره معه من أورشليم، سفر إشعياء.
وقد فتح فيلبس فاه وابتدأ من نفس الكتاب الذي كان يقرأه «فَبَشِّرَهُ بِيَسُوعَ». نعم، فقد وجد الخصي الحبشي الشخص الوحيد القادر أن يشبع نفسه، وهكذا «ذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحًا». لكأن الحبشة “كوش” لم تمد يدها عبثًا إلى الله! ( مز 68: 31 ). صحيح أن الله لم يغيِّر طرقه السياسية من حكمه من جهة نسل حام في انحطاطه (تك9)، لكنه بينما ترك جانبًا كل ما يتعلق بأحكامه عليهم، أمكنه أن يجعل ليس الوجه، بل قلب وضمير الأسود، يجعله أبيض كالثلج، بدم الحَمَل الذي بلا عيب ولا دَنَس!